« وهذا سياق آخر و طريق أقرب من تلك الطّريقة وأنظم و أضبط و أقل إتعابا في التحصيل. ولم يحصل لي أوّلا بالفكر بل كان حصوله بأمر آخر. ثم طلبت عليه الحجة حتى لو قطعت النظر عن الحجة مثلا ما كان يشكّكني فيه مشكّك. »
السّهروردي (حكمة الإشراق، ص10)
يهدف هذا البحث إلى تجاوز بعض التقسيمات المفهومية التي أدّت إلى الخلط بين الدلالات الفلسفية ومن ثم إساءة فهم تلك الدّلالات خاصة في علاقات بعضها ببعض من حيث هي مكونة لمنظومة أو لنسق فكري معين. و أعني هنا ببعض التقسيمات المفهومية تلك التي كانت تمثل إحدى ركائز النشاط الاستشراقي و توجد على مستوى أوّلياته الأنثروبولوجية: العقل-اللاعقل والتصوف-التجربة الحسية والذوق-العقل والإشراق- الاستدلال.
كان مشحونا بمسلمات الثقافة الأوروبية وتصورها للعقل النيّر منذ القرن الثامن عشر، وبإقرارها بسلطان العقل النظري من حيث هو مصدر يكاد يكون مطلقا لمختلف الأحكام والمعايير المعرفية و الأخلاقية وحتى الجمالية منها. ولم يستطع العمل الاستشراقي فهم الأبعاد العميقة لبعض التجارب الفكرية المبتكرة في العالم العربي الإسلامي. لهذا السبب لم يعط بعض المستشرقين كهنري كوربان[1] الأعمال المنطقية في الفلسفة العربية الإسلامية عامة وفي الفلسفات الصوفية خاصة القيمة التي تستحق. فقد عمدوا إلى إخراج أكثر الفلاسفة العرب عقلانية من دائرة العقل وفضاء المنطق وحصروه في التّصوف. فقد نظروا إلى شهاب الدين السهروردي المقتول على انه فيلسوف كوني إشراقي ميتافيزيقي خالص.
فالكلام عن منطق صوفي أو عن حكمة إشراقية، أي عقل فلسفي و بحث نظري إشراقيين، بالنسبة إلى الأوروبي كلام أجوف لا معنى له. ومن نتائج ذلك نرى أن العديد من الباحثين الغربيين لم يشيروا في دراستهم للمنطق العربي إلى أهميّة دور السّهروردي الواضح في نشأة منطق عربي مبتكر.
وأشير إلى بحث دبوراه ل. بلاك في موسوعة راوتلادج (1998) بعنوان المنطق في الفلسفة الإسلامية، والتي ركزت فيه على مساهمة الفارابي المنطقية في كتاب إحصاء العلوم، و مساهمة توني ستريت في المنطق العربي في ثنايا الكتاب المخصص للفلسفة الإسلامية المنشور في دار كامريدج(2006).[2] ويهتم برسالة نجم الدين الكاتبي القزويني أكثر من اهتمامه ببقيّة المناطقة العرب.
وسعيت في هذا البحث إلى تجاوز هذا التقسيم مبيّنا أن الحديث عن منطق أو عقل إشراقي يخلو من الدقة في منظومة السهروردي المنطقية، بل إنّه ضروري لإثبات الإضافة المنطقية العربية بصورة عامة. والهدف مزدوج: إخراج المنطق السهروردي (والتجارب المنطقية العربية الأخرى بين القرنين العاشر والثالث عشر بصورة غير مباشرة أيضا) من دائرة الميتافيزيقا الصوفية إلى المعرفة الإنسانية العقلية، وبالتالي إعادة إدراج المساهمات المنطقية العربية ضمن تاريخ المنطق عامة منذ أرسطو إلى عصرنا أكثر من تاريخ التصوف.
ويمكن القول بأن من بين المسائل التي كان يتنازع فيها مفكرو الإسلام منذ بداية حركة نقل المؤلفات الفلسفية والمنطقية إلى العام الإسلامي هي:
أولا : طبيعة علاقة المنطق بالفلسفة : هل أن المنطق آلة مثلما تفيد مؤلفات أرسطو المنطقية التي جمعت تحت اسم الأرجانون، أم هو علم نظري وقسم من أقسام الفلسفة مثل الطبيعيات والإلهيات. فعندما نتمنطق هل نحن في قلب النشاط الفلسفي أم في مجرد المدخل له بحيث لا يكون المنطق سوى جزء من الثقافة الأولية للفيلسوف لا تدخل مباشرة في جوهر مباحثه ؟ )الاتجاه الأرسطي المشائي) أم أن المنطق هو أحد أجزاء الفلسفة من جهة اقترانه الجوهري بالمنهج الجدلي ؟ (الاتجاه الميغاري الرواقي)
ثانيا : ما هو حكم الشرع في استعمال المنطق ؟ ما هي مشروعية قبول المنطق كعلم قائم بذاته له موضوعه ومبادئه وما هي مشروعية الاعتماد على علوم الأوائل كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم في استنباط الحلول للمشاكل المطروحة على مفكري الإسلام ؟
سأحاول في ضوء الأبعاد الإشكالية المتعددة لهاتين المسألتين توضيح مواقف السهروردي من المنطق الأرسطي، وتوضيح كيف قاداه وجهة نظره النقدية وتصوره الفلسفي لطبيعة العلاقة بين الخطإ والصواب في المنطق إلى صياغة جديدة للمنطق الأرسطي. واستند في ذلك إلى تصور فلسفي عقلي صوفي مبتكر وأصيل. ويمكن تسميته بالمنطق الإشراقي أو بالمنطق المشرقي بالتعارض مع المنطق الهليني.(الهلينستي).
وإذا أردنا تلخيص التصور الفلسفي الجديد الذي يتعارف على تسميته بالفلسفة الإشراقية أو المشرقية نستطيع القول بأن الإنسان في حدود هذا التصور لا يستطيع أن يصل إلى الحقائق والمعارف بالبحث النظري وحده، بل لابد أن يصاحب البحث النظري تأملٌ روحي ليصل إلى حقائق العلم. ومن ثم تنفجر أنوار الصواب والصدق والحقيقة في قلبه مثلما تنفجر في قلب المؤمن أنوار الهداية والإيمان ومحبة الله عز وجل. وينبني هذا التصور المبتكر على مسلّمة فلسفية أساسية تتمثّل في أن العلم يستوجب حركة في الفكر وحركة في النفس الناطقة يصل الإنسان بها إلى حقائق الأشياء ومبادئها الأولى وصولا يقينيا مباشرا لا يعتريه الخطأ ولا يزعزعه الشكّ ،وأن كل عمل فكري و نشاط منطقي لا تصحبه حركة تكاملية في النفس، يكون معها الإنسان عاشقا، لا يؤدي إلاّ إلى معرفة جوفاء وصوريّة فارغة من كل معنى.
وعلى هذا الأساس فإن المنطق الإشراقي الذي عرضه السّهروردي في كتاب حكمة الإشراق هو نقد لبعض مباحث المنطق الصوري الأرسطي على الأقل في قسمه الأول. وهو منطق افترض العرض الوصفي لمنطق أرسطو كما جاء في كتابي اللمحات في الحقائق والتلويحات وغيرها من المؤلفات المشائية.
ويؤدي ذلك إلى وضع منظومة منطقية جديدة قائمة على إدراج مكوّنات المنطق المشّائي الصورية بعد تنقيحها وإصلاحها في تجربة روحية وإنسانية ذات أبعاد فكرية عميقة متكاملة تتناغم فيها مصادر الثقافة العربية الإسلامية الروحية بخصوصيات اللغة العربية تركيبا ودلالة.
ولكن إذا كان المنطق في الأصل صناعة قائمة على الاستدلال العقلي على عكس مصادر أخرى لاكتساب الصواب و المعرفة ، ولمّا كان متمثلا في تحصيل المجهول من المعلوم بطريق النظر، فكيف يمكننا إذن القول مع السهروردي بأنّ المنطق لا يتعارض مع شكل المعرفة الذي لا يقتضي فيه النظر إلى المبادىء، بل يتم بتأييد من عند الله عز وجل. وهو نوع المعرفة الحاصل بالذوق لا بالعقل ؟ وبمعنى آخر كيف يمكننا الحديث عن منطق إشراقي، أي تصوّفي يجتمع فيه طلب المجهول من المعلوم بالنظر وطلب الصواب دون اقتضاء النظر في المبادىء المناسبة للمسائل المنظور فيها ؟ وكيف يكون بوسعنا الحديث مع السهروردي عن منطق أرسطي يتأسس في سياق صوفي على الذوق ؟ كيف يمكننا أن نبتكر منطقا عقليا ويكون في الوقت نفسه قائما على الذوق والكشف والمشاهدة الباطنية ؟
ولحلّ هذه الإشكاليات يجب أن نضع مقاربة السهروردي في إطارها التاريخي والفكري. فمنظومته المنطقية تتنزل في مرحلة من مراحل تطور المنطق العربي طغت عليها القراءة السينوية لمنطق أرسطو.
فلم يكن الفلاسفة العرب ينظرون إلى المنطق الأرسطي على أنه خال من العيوب. ولا نستثني فلسفة السهروردي من هذا الإطار النقدي العام للمنطق المشائي. فالمناطقة العرب وعلى رأسهم ابن سينا لم يسلموا بيقينية هذا المنطق بصورة مطلقة وإنما وجهوا له بعض النقد محاولين التوفيق بينه و بين مناهل الحضارة العربية الإسلامية المعرفية الأخرى. وبمعنى أخر لم يدرسوا المنطق الأرسطي باعتباره المرجع المطلق الموثوق بصحته. كما لم يكن أرسطو متربعا على عرش المنطق دون مجادلة آرائه وتصحيح أخطائه. ويتضمّن نقد أخطاء أرسطو نقد الإشكال الصورية عينها لنموذج الاستدلال اليقيني لديه والمتمثل في القياس.
يقول برتراند راسل : » إن تآليف أرسطو المنطقية دليل على مقدرة ممتازة وكانت ستكون ذات نفع للإنسانية لو أنها ظهرت في الوقت الذي لم تزل عقول اليونان فيه نشيطة منتجة. لكنها لسوء الطالع قد ظهرت في ختام فترة الإبداع للفكر اليوناني. ومن ثم تمسّك الناس بها باعتبارها مرجعا موثوقا بصحته، حتى إذا ما حان الوقت عادت فيه للمنطق قوة الأصالة والابتكار، كان أرسطو قد انفق على عرش السيادة ألفي عام مما جعل إنزاله عن عرشه ذاك أمرا عسيرا. »[3]
ونتبيّن من تصوّر راسل نسيانا أو إهمالا و تجاهلا للدور العربي و مرحلة الإضافة العربية المنطقية في تطور المنطق بصورة عامة. وتعتبر دراسة المنطق الإشراقي دليلا على ذلك. فقد ظهرت في الفترة المتراوحة بين القرنين العاشر والثالث عشر أعمال منطقية إبداعية تضمنت إضافات جوهرية لشكل المنطق الأرسطي ولم تكتف بتقليده. وبمعنى آخر لم تنتظر الإنسانية ظهور الجبر المنطقي الحديث وتطبيقاته في مجال الحساب المنطقي، ولم تنتظر ظهور المنطق الرّمزي الرياضي الحديث حتى تخرج من حالة الركود التي كان عليها النشاط المنطقي الإنساني.
وتندرج هذه المداخلة في مشروع إعادة كتابة تطور المنطق الحديث باستحضار مساهمات المناطقة العرب بين القرن العاشر إلى حدود انحطاطه وركوده بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وتتناغم دلالة هذا المشروع مع بعض ما نشر في المنطق العربي من دراسات أولها كتاب تطور المنطق العربي لنيقولا ريشر عام 1964 و أعمال الأستاذ عادل الفاخوري من خلال كتابه الممتاز منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث، دار الطليعة 1980.
فنقل الآثار المنطقية إلى العالم الإسلامي صادف بزوغ الإبداع الفكري لأمة بدأت تعي أكثر من ذي قبل مكانتها في العالم ومنزلتها في العطاء الحضاري الإنساني. فتعلّم المنطق و دراسة الفلاسفة العرب وغيرهم له كان خير حافز على قوة الإبداع وأصالة الابتكار وليس العكس. فالأعمال المنطقية العربية في تلك الفترة والعلمية بصورة عامة لم يكن أساسها مجرد الاستيعاب السلبي لمعارف لا تستجيب لحاجيات المجتمع أو هي مجرد تقليد لآراء الحكماء اليونان بقدرما كانت أعمالا أصيلة. فالترجمة والشروح مرتكزة على مبدأ الأصالة في التوفيق بين التمشي العقلي والانسجام مع مصادر الملة الأخرى، و تكمن مساهمة العرب في هذا التوفيق الأصيل الذي يؤسس المعرفة الإنسانية على التعدد والاختلاف.
وما نقد السهروردي لبعض أوجه المنطق الأرسطي سوى صورة لهذا الخط المنهجي العام الذي اتّبعه عدد كبير من مفكري الإسلام، والمتمثّل في قبول المنطق واعتماده منهجا لتّفكير السليم ومعيارا للمعرفة العلمية اليقينية. ولا يمكن لنا إذن فهم خصوصيات المنطق الإشراقي إلا في إطار هذا النقد الايجابي للمنطق الأرسطي من حيث هو مؤسس لمنهج معرفي يصل مصادر المعرفة العقلانية ومنهل اليقين بمصادر تصور الحقيقة الميتافيزيقية والصواب على إنهما إشراق و حدس و نور يقذفه الله في عقول العلماء، لا مجرد بناء صوري آلي فارغ من كل دلالة روحية إنسيّة.
نستطيع القول بأن المواقف في تراثنا الفكري العربي الإسلامي إزاء المنطق اليوناني خاصة على صورته الأرسطية كانت في متعددة. ويمكن إجمالها في ثلاثة مواقف :
أولا: الاتجاه الذي يمثله الغزالي الذي كان يرى أن قوانين المنطق الصوري سليمة بإطلاق، صحيحة في ذاتها. ونستطيع أن نسمي هذا الاتجاه بـ »أسلمة » المنطق والنزوع إلى الموافقة بينه وبين الموازين القرآنية ( أنظر في هذا الصدد بحث محمد مهران القيّم: المنطق والموازين القرآنية، قراءة لكتاب القسطاس المستقيم للغزالي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة 1996)، دون أن ننسى تفنيد الآراء الشيعية وخاصة الإسماعيلية منها فكريا و سياسيا.
والاتجاه الثاني يمثله الإمام ابن تيمية الذي يرى أن قواعد المنطق غير صحيحة. « المنطق الأرسطي لا يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد. »[4] ويمكننا إقحام المتصوفة الذين يعارضون المنطق والعقل النظري كشهاب الدين السهروردي صاحب عوارف المعارف، والكشف عن فضائح اليونانية، ورشف النصائح الإيمانية داخل هذا التيار.[5]
أما الاتجاه الثالث فهو مدار اهتمامنا، وهو الاتجاه الذي يمثله الفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول وابن زرعة والقزويني وغيرهم من المناطقة العرب الذين لم يكتفوا بشرح منطق أرسطو وإنما تعدوه إلى حد الإبداع و الابتكار.
وهو اتجاه منطقي إبداعي يستوعب المنطق اليوناني بصورة بناءة أدت إلى وضع منظومات منطقية جديدة متأثرة من دون شك بالمنطق الصوري الأرسطي، لكنّها تنضوي تحت أفق ابستمي عام توفيقي في طبيعته. وهو افق يشمل فضاء معرفيا ودلاليا رحبا يتراوح بين مثالية أفلاطون وأفلوطين وحسية أرسطو وتجريبيّته، فضلا عن البعد العملي في المنطق الذي تضيفه المدرسة الميغارية الرواقية. ولئن فضّل البعض الحديث عن خلط بين التيارين في الفلسفة والمنطق فإننا نرى أن الاصطلاح الأجدر هو توافق الرؤى الذي يفتح على فضاء دلالي جديد.
وقد أسس الفارابي المفهوم الفلسفي لهذا الاتجاه أو الموقف الثالث من المنطق الأرسطي في كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، و كتاب الحروف. وننطلق من هذا الأفق التوفيقي العام بين أفلاطون وأفلوطين وأرسطو من جهة والمدرسة الميغارية الرواقية وأرسطو من جهة أخرى، قصد التطرق إلى مسألة الخطأ والصواب. ونعتمد وجهة نظر فلسفة السهروردي المنطقية مثلما تجلت في محاولة إصلاح المنطق الأرسطي، ومن حيث تدخل في هذا الاتجاه الثالث الذي أشرنا إليه، والذي يمثله ابن سينا أحسن تمثيلا. وهذا لا يعني بالضرورة أن السهروردي لا يختلف مع ابن سينا في عدة نقاط تخص المنطق الأرسطي. إذ يتجلّى السهروردي من خلال انتماؤه إلى هذا التيار المنطقي الإبداعي العربي في لغته والإسلامي في خطّه الحضاري والثقافي ناقدا لابن سينا وأرسطو.
وأوّد قبل الشروع في هذه المحاولة أن أحدد الإطار الثقافي العام الذي تتنزل فيه مقاربة السهروردي للمسألة بالإشارة إلى رأي ابن حزم في المنطق. وهو رأي نرجّح أن يكون مندرجا ضمن الاتجاه الأول الذي يتزعّمه الغزالي. فقد نصح ابن حزم الأندلسي في رسالة « مراتب العلوم »( وهو ينتمي في نظري إلى الموقف الأول) الدارس أن يبدأ بالنظر في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج بعد تعلم القراءة والكتابة وأصول النحو واللغة والشعر والفلك، ليعرف ما البرهان ويميزه عن الأباطيل تمييزا لا يبقى معه ريب. فقد أجاب ابن حزم عن رأيه في أهل عصره الذين انقسموا طائفتين: طائفة اتبعت علوم الأوائل وطائفة اتبعت علم ما جاءت به النبوة. وطلب إليه أن يبين له أيهما المصيب: « اعلم أن علوم الأوائل هي الفلسفة وحدود المنطق التي تكلم فيها أفلاطون وتلميذه أرسطاطاليس وغيرهما. وهذا علم حسن رفيع، لأنه فيه معرفة العالم كله بكل ما فيه من أجناسه إلى أنواعه، إلى أشخاص جواهره وأعراضه، والوقوف على البرهان الذي لا يصح شيء إلا به وتمييزه مما يظن من جهل أنه برهان وليس برهانا، ومنفعة هذا العلم عظيمة في تمييز الحقائق مما سواها. ». ولكن أحد الناقمين كتب إليه كتابا اتهمه فيه بأن الفساد دخل عليه من تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب إقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين. فكتب ابن حزم يقول في الجواب: أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق وإقليدس والمجسطي: أخبرنا عن الإلحاد الذي وجدت فيها إن كنت وقفت على مواضعه منها، وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر مالا تعرف ». وأصبح ابن حزم يعتقد أن فائدة المنطق أمر لا يرتاب فيه منصف لأنها فائدة غير واقفة عند حدود الاطلاع والرياضة الذهنية، بل تتدخل في سائر العلوم والمقالات والأهواء وعلم النحو واللغة والخبر والطب والهندسة وما كان بهذا الشكل فانه حقيق أن يطلب وأن تكتب فيه الكتب، وتقرب فيه الحقائق الصعبة.
في خضم هذا النزاع الذي تصوره هذه اللوحة أحسن تصويرا، تبين أن الحل لا يكمن في قبول المنطق اليوناني بإطلاق مثلما هو الحال مع ابن حزم والغزالي. ولا في رفضه بإطلاق مثلما هو الحال مع ابن تيمية و من وافقه من الفقهاء وعلماء أصول الدين والمتكلمين. بل الحل لا يوجد إلا داخل التيار الفلسفي البناء الذي يتمثل في بلورة منطق مشرقي كما حاول ابن سينا القيام به في كتابه منطق المشرقيين، (وهو الجزء الوحيد المتبقي من رؤية فلسفية حضارية تحت عنوان حكمة المشرقيين) في إشارة إلى تأصل المنطق في جغرافية ثقافية مشرقية عربية إسلامية تستلهم مصادرها بالإضافة إلى العقل ومؤلفات الأوائل وأدوات التحليل المنطقي والترميز الجبري التي تضعها على ذمتهم. كما تعتمد كل ما يدخل في نطاق الاستدلال العقلي بالقياس البرهاني وغيره. وحاولت الاستفادة من سبل الكشف ومناهل الحدس والذوق الصوفي والمعرفة بالقلب والبصيرة. فالمنطق المشرقي ونظيره الاشراقي عند السهروردي هو بمثابة اكتساب للمنطق الأرسطي على أساس نقدي، فضلا عن محاولة إعادة صياغته ( وإصلاحه في بعض الحالات) بصورة تتلاءم مع مصادر الثقافة العربية الإسلامية القائمة أساسا على الوحي والنبوة. ويضفي هذا الإصلاح إلى بعث دينامية فكرية على الثقافة العربية الإسلامية.
ويدرج السهروردي المنطق الإشراقي ضمن مشروع إصلاح المنطق الأرسطي ومساءلة القراءة المشائية لهذا المنطق من حيث هي صورية فارغة. فالمنطق الإشراقي هو بالأساس محاولة لإدخال المنطق ،من جهة كونه آلية صورية ومجرد صناعة نظرية، إلى مجال التجربة الروحية التي تكون النفس فيها في حركة متكاملة نحو الصواب والمعرفة. وما يقوم به السهروردي هو إذن إخضاع النشاط المنطقي من حيث هو لغة صورية إلى مفهوم جديد للفلسفة ومبتكر. ويهدف إلى تجاوز المناقشات العقيمة واستبدالها بإشراق الحق والصواب مثلما كان الحال مع الجدل الأفلاطوني في علاقته بالسوفساطئية ورموزها المغالطية. وهكذا يعود السهروردي بالفلسفة وبالمنطق معا إلى نبع يعطي اليقين ويوصل إلى الصواب الضروري الملازم لكل استدلال لا مناقشة فيه البتة. وهذا المنبع لا يجده السهروردي الا في سياق صوفي يصفه في بأنه « سياق آخر وطريق أقرب من تلك الطريقة ( ويعني طريقة المشائيين) وأنظم وأضبط و أقل إتعابا في التحصيل. »[6]
إنّ الإشكال الفلسفي العميق الذي يأتي المنطق الإشراقي لحله هو إشكال العلاقة بين المعرفة التي تفترض ضرورة استعمال الميزان، وهي المعرفة التي تجعل من الإنسان إنسانا وليس إلاها، وتأتي عن طريق الإلهام الإلهي. وهذا النوع من المعرفة الضرورية والكلية يتميز بها الأنبياء والأولياء.
ونتساءل، في هذا المقام، هل هي علاقة اتصال أم انفصال ؟ هل تفترض المعرفة الأولى منهج الثانية وتتلاءم معها، أم أن نوع المعرفة الذي يتم بتأييد من الله عز وجل لا يحتاج غالى النظر العقلي والمنطق باعتباره ميزانا و معيارا وصناعة نظرية ؟
إنّ علم المنطق هو قبل كل شيء تأكيد على إنسانية الإنسان من خلال استعماله للعقل. والسؤال يصبح : هل تتعارض إنسانية الإنسان من خلال استعماله للميزان مع إمكان وضعه الأنطو-ميتافزيقي من حيث خلافته الله في الأرض. و من ثمة يملك بطبيعته الإنسانية سبلا معرفية تقوده إلى الصواب ابتداء وإلى المبادئ الأولى دون واسطة من الوحي والنبوة والإلهام والذوق والكشف والمشاهدة الباطنية ؟
وقبل البدء في تعيين ملامح الحل السهروردي لهذا الإشكال الذي يرمز في الحقيقة إلى ازدواج تصوري عميق في الثقافة العربية الإسلامية، أعرّج على مضمون مقدمة شرح الرازي للغرة في المنطق للجرجاني. إذ يكتسي هذا المضمون أهمية من جهةعلاقته المباشرة بهذا الإشكال.
فقد كتب الرازي في الحاجة إلى المنطق وتعلمه: » امتياز الإنسان عن الحيوان ليس بالأكل والشرب والمشي وأمثالها، بل ليس الامتياز إلا لأنّه يمكنه تحصيل المجهول من المعلوم بطريق النظر، بخلاف سائر الحيوانات. ولا شك أن المراد بالإنسان المذكور هنا الإنسان على وجه الفصل، كما في قولهم زيد ممتاز من بين القوم، فلا يرد الاعتراض على الحصر بمثل الضحك،لأنه وان كان مميزا للإنسان ليس موجبا لكماله، مع كونه أثر للإدراك. فمن الواجب على كل من يريد من الإنسانية أن يعرف الفكر، وشرائط صحته، ووجهات فساده. فهذا العرفان لا يحصل من علم غير الميزان، فهو المحتاج إليه الإنسان. والثاني، يجب عليه تحصيله حتى يكون صادقا في دعواه ويتمكن من تحصيل المجهولات من المعلومات على الوجه الصواب. أي يجب على كل من يدعّي الإنسانية أن يعرف ما ذكرناه، إلا المؤيدين من عند الله بالنفوس القدسية المنزهة عن الكدورات الإنسية، وهم الأنبياء والأولياء…فإنهم يعلمون المطالب من غير اقتضاء إلى النظر في المبادئ المناسبة لها. وقوله : إلا أن هذا لا ينافي الاحتياج إلى المنطق…ليس المنطق محتاجا إليه لان لو كان محتاجا إليه لم يكن المؤيدون مستغنين عنه، وهم مستغنون. والجواب: إن استغنى البعض(اعني المؤديين) عن المنطق لا ينافي الاحتياج إليه. كما أن استغنى البدوي عن النحو لا ينافي الاحتياج إليه بالكلية. »[7]
وهذا هو إذن السياق الفكري العام الذي كتب فيه السهروردي كتابه حكمة الإشراق و بلور فيه تصوره لمنطق تصوفي مبتكر. ويمكن تقسيم بنية هذا المنطق الإشراقي الجديد إلى ثلاثة أقسام: أولا: مبحث المعارف والتعريفات وهو جانب نظرية المنطق المتصل بمباحث اللغة ودراسة علاقة الألفاظ بالمعاني.
ثانيا : مبحث الحجج، ويضم مباحث القياس وأشكال القضايا.
ثالثا : القسم المخصص لمبحث المغالطات، وفيه يردّ السهروردي على آراء تلامذة أرسطو من المشائين في مجالي الطبيعيات وعلم الربوبية انطلاقا من تصوره الإشراقي.
وإذا كان السهروردي قد اقتصر في مؤلفاته المشائية- مثل رسالتي اللمحات والتلويحات وغيرها- على تناول المنطق الأرسطي بصورة وصفية يكتفي فيها بعرض آراء المشائيين، فإنه في حكمة الإشراق ينقد فلسفتهم، ويتطرّق إلى أخطائهم بهدف الوصول إلى حكمة إشراقية لا تكون متهافتة القواعد، باطلة الأصول مثل حال حكمة المشائيين العرب. وقسّم كتابه إلى قسمين بناء على هذا النقد: في ضوابط الفكر: وهو يخص ما ذكرته من مسائل وعلى رأسها علاقة اللغة بالمنطق، وقسم ثان يتعلق بالنور وحقيقته ونور الأنوار ومبادئ الوجود وترتيبها. وتحدث السهروردي فيه على عالم ثالث أسماه عالم البرازخ أو عالم المثل المعلقة. وهو يضاهي في وظيفته المعرفية عالم الموضوعات الرياضية المثالية من حيث هو يتوسط عند أفلاطون العالم الحسي والعالم العقلي .
فيما أخطأ أرسطو إذن حسب فلسفة السهروردي المنطقية ؟ و ما هي إضافات السهروردي على هذا المنطق و كيف تظهر على أنها من أعمق المحاولات التي عرفها تاريخ المنطق بوجه عام ؟
1- نقد نظرية التعريف الأرسطية:
في القسم الخاص بعلاقة اللغة بالمنطق، يستبدل السهروردي بعض الألفاظ ذات الدلالات الموضوعية المحايدة، إن صح التعبير، بألفاظ لها دلالات شعورية قصديّة متعيّنة في الوعي. فهو يسمي القسمة الثلاثية لدلالة اللفظ على المعنى ( التي تسمى عادة :التطابق والتضمين والالتزام) : القصد والحيطة والتطفّل. ولهذا الاستبدال الاصطلاحي انعكاسات دلالية ومنهجية عميقة.
و نراه يسمي اللفظ الخاص باللفظ الشاخص، والمعنى الخاص بالمعنى الشاخص عندما يتعلق الأمر بقسمة الألفاظ إلى العام والخاص. أما فيما يتعلق بمبحث الحدود والتعريفات فإن السهروردي يرد على قاعدة المدرسة المشائية، ويحاول دحضها في ضوء العلم الكشفي والمعرفة الذوقية الإشراقية التي تنظّم الموجودات بالنظر إلى سلّمها التراتبي حسب الشرف والكمال. وبيّن كيف أن هذا التراتب بين علو المعاني وانحطاطها هو الذي يعين طبيعة الألفاظ وطبيعة علاقتها بالدلالات المعقولة في المنطق الإشراقي.
وينقد السهروردي التعريف الأرسطي القائم على الجنس (الذاتي العام) والفصل (الذاتي الخاص) على هذا الأساس. ويجد هذا النقد في نظرية المعرفة الإشراقية شرط إمكانه. ولكن كيف يحصل ذلك ؟
اذا كان تعريف الشيء من منظور ارسطي يفترض الجنس و الفصل، واذا كانت القاعدة المشائية تقول بان المجهول لا نتوصل اليه الا عن طريق المعلوم، يتسائل السهروردي كيف يمكن اقحام الذاتي الخاص و هو مجهول في المكونات الاساسية للتعريف و كيف يمكن ان نحدد ذاتيا خاصا دون آخرا لا يعرّف الشيء الا به ؟
نرى اذن كيف ان نقد منهج التعريف الارسطي القائم على مجرد المعرفة الانسانية التي هي في نظر فيلسوف الاشراق مجرد معرفة جزئية يظهر لنا ان هذا المنهج لا يمكن ان نستخرج به المجهول الا من المعلوم ولا يمكن بالتالي ان توضع معرفة بالاشياء الا بواسطة الانتقال من مقدمات معلومة الى نتائج تصير هي معلومة على ضوء تلك المقدمات. في نظر السهروردي ليس بالامكان تاسيس معرفة صحيحة و يقينية على هذا النحو. ذلك ان المعرفة الجزئية المتاتية بواسطة الميزان تحتاج الى ان تتاسس هي بدورها على معرفة اولى تستمد من مبادئها اليقينية باطلاق اولياتها النسقية. تحتاج اذن المعرفة المنطقية من حيث هي معرفة انسانية الى معرفة تقوم على العلم الكشفي و المشاهدة الباطنية و على الذوق، في حدودها يعطى للذات العارفة الناطقة المتألّهة على حد السواء المجهول و المعلوم على شكل حدوسات متواصلة و يقينية تجعلها تخرج من دائرة التصورات الى عالم المعرفة بالاشياء في ذاتها.
ينكر اذن السهروردي نظرية الحد الارسطي القائمة على فكرة الماهية و تكوينها من الجنس و الفصل، و يقترح تعريفا جديدا يسميه التعريف بحسب المفهوم و العناية وهو مختلف عن التعريف الارسطي و التعريف بالاسم. يكتب محمد إقبال في هذا الصدد ما يلي :
« يعرض السهروردي منطق ارسطو للفحص الدقيق و يبين ما في نظرياته من تهافت. فالتعريف –على سبيل المثال- في منطق ارسطو هو اجتماع الجنس و الفصل، لكن الاشراقي يزعم ان الصفة المميزة للسيء المعرّف، والتي لا يمكن ان تكون محمولا لشيء آخر،لن تجلب لنا اية معرفة للشيء. اننا نعرف الحصان بانه حيوان صاهل. والآن نحن ندرك الحيوانية لاننا نعرف عددا من الحيوانات التي توجد فيها هذه الصفة، غير ان من المستحيل ان ندرك صفة « الصهل » لانها لا وجود لها الا في الشيء المعرف نفسه. و من ثم يكون التعريف المعتاد للحصان غير ذي معنى لشخص لم ير الحصان قط. « [8]
ان التعريف الحقيقي يصبح التعريف القائم على جمع الكيفيات اللازمة للشيء المعرف و لا بد ان يتضمن على كل صفاته اللازمة من حيث هي موجودة فيه.
ثانيا: اختصار المقولات العشر الارسطية في خمس
يمكن لنا ان نتسائل عما اذا كانت مسألة المقولات أو الاجناس العالية هي داخلة في علم المنطق ام خارجة عنه ؟ يختلف اذن المناطقة العرب في نسبة نظرية المقولات العشر الى ميدان المنطق و يتراوحون بين موقف ابن رشد الذي كان يعتبرها داخلة في علم المنطق فتكون هاته المقولات منطقية و ليست ميتافيزيقية، و بين موقف ابن سينا الذي اعتبرها من مباحث مابعد الطبيعة. باستثناء كتاب النجاة حيث يتطرق الى نظرية المقولات ضمن خطابه عن الحد فان ابن سينا يهملها في الاشارات و لا يعرّج عليها في كتاب الشفاء الا في قسمه الثاني. بينما ذهب السهروردي ابعد من ابن سينا عندما يغفلها تماما في بعض مؤلفاته و يعمد الى اختصارها من عشرمقولات الى خمسة هي : الجوهر و الحركة و الاضافة و الكم و الكيف.
ثالثا: محاولة وضع نسق جديد لمنطق القضايا
يتناول السهروردي هذا المبحث في القضايا بطريقة اشراقية فحاول ان يردّ جميع القضايا التي وضعها ارسطو الى القضية الكلية الموجبة الضرورية التي يسميها بالقضية البتاتة أي من البت و الجزم و القطع. تقسم القضايا عادة ( ومنذ ارسطو) حسب ثلاثة مقاييس : باعتبار الكم و الكيف و الجهة. ينقد السهروردي هذا التقسيم و يحاول و ضع نظام جديد للقضايا.
حاول السهروردي اختصار المنطق الارسطي. نتائج هاته المحاولة تتمثّل في الافكارو المساهمات الأساسية التالية : الاهتمام بالقضايا الشرطية بجانب القضايا الحملية : يرفض السهروردي رد القضية الشرطية الى القضية الحملية، و في هذا اتفاق واضح مع ابن سينا خاصة في عيون الحكمة على امكان نقد المنطق الارسطي على هذا المستوى. رد القضايا السالبة الى قضايا موجبة معدولة الموضوع و المحمول. رد القضايا الجزئية الى قضايا كلية. اعتبار القضايا الشخصية قضايا كلية.
يضع السهروردي اذن نسقا جديدا للقضايا تصير بموجبه كل القضايا موجبة كلية ضرورية.
القضية البتّاتة هي الوحيدة المستخدمة في العلوم . يكتب السهروردي في حكمة الاشراق :
« لما كان الممكن امكانه ضروريا و الواجب و جوبه ايضا كذلك، فالاولى ان تجعل الجهات من الوجوب و قسميه اجزاء للمحمولات، حتى تصير القضية على جميع الاحوال ضرورية. كل انسان بالضرورة هو ممكن ان يكون كاتبا، او يجب ان يكون حيوانا، او يمتنع ان يكون حجرا. فهذه هي الضرورية البتّاتة، فإنا اذا طلبنا في العلوم امكان شيء او امتناعه فهو جزء مطلوبنا، و لا يمكننا ان نحكم حكما جازما بتّة لال بما نعلم انه بالضرورة كذا، فلا نورد من القضايا الا البتّاتة… »[9]
خامسا: الاقتصار على ثلاثة اشكال للقياس ورفض الشكل الرابع و التحلل من عدد اضرب أشكال القياسات اللأرسطية
يعدّ السهروردي اول منطقي قام بوضع عدد اشكال القياس الارسطي موضع شك. فهو يرفض الشكل الرابع و ذلك لكونه حسب تعبيره » السياق البعيد الذي لا يفطن لقياسيته من نفسه و لذلك حذف. »[10]. بينما يكون الشكل الاول هو اكمل الاشكال. » والتام من الاقترانيات، يقول السهروردي، ما يكون الاوسط محمول الاولى فيه و موضوع الثانية،وهو السياق الاتمّ. »[11]
خاتمة البحث
نرى اذن كيف يتجاوز السهروردي التقسيم المعارض بين العقل و التجربة الصوفية و بين المنطق و الذوق. فموقفه ليس ازدواجيا او توفيقيا او قائما على خلط بنوي ما و انما هو موقف لا يفهم على ضوء هذه التقسيمات المؤسسة لجوهر العقلية الاستشراقية وانما في اتحاده ببنية العقلية المشرقية التي هي تاصل في تراث و انفتاح على دروب المعرفة و مناهلها اللامتناهية في ظل تجربة روحية انسانية عقلية لغوية متكاملة. فالسهروردي يقبل المنطق الارسطي و يعتبره احدى رياضات المتصوفة الاشراقية ولكنه يفهمه و يعمد الى اختصاره و بالتالي اصلاحه على ضوء خصوصيات واضافات المنهج الابستمي العربي الاسلامي الذي تكون نتيجته وضع منطق جديد يتعارف على تسميته بالمنطق الاشراقي لا شك في ذلك و لكنه لا يقل عقلانية وقيمة نظرية و دلالة ابستمولوجية من المنطق اليوناني. في هذا التجاوزلمنطق ارسطو نقد ليس للعقلية المشائية فحسب (من حيث هي غير جديرة بتمثيل كل التجربة الروحية اليونانية) و انما نقد ايضا للصوفية العربية الاسلامية التى لا تقبل باي شكل من اشكال التفكير النظري. في سياق نفس الحركة المنطقية من حيث هي موجبة و ابداعية يتجاوز السهروردي المقتول نقائص القراءة المشائية التي كانت سائدة في عصره لامكانات التفكير المنطقي عامة و نقائص اللاعقل الصوفي بالمعنى الاوروبي. هذه هي بنية حكمة الاشراق التي لم يفهمها هنري كوربين عندما ركز على رسائل السهروردي الصوفية الرمزية مهملا بذلك اعماله المنطقية. يجب اصلاح هذا الخطأ بالعودة الى دراسة منطق السهروردي و حكمته الاشراقية عامة بناء على ما اوردته من معطيات بنيوية و منهجية جديدة.
فالسهروردي يعلمنا اليوم ان العقل المنطقي بحاجة الى سند حدسي يستند اليه، و على المنطقي الذي يستعمل الاستدلال العقلي ان يكون مزودا بالاضافة الى خصاله الاخلاقية أي براءة ذهنه من ادران الخطيئة و الهوى، بالذوق من حيث هو ادراك خفي لجوهر الاشياء.
المراجع
السهروردي : حكمة الاشراق، مجموعة مصنفات شيخ اشراق، تصحيح و مقدمة هنري كربين، طهران 1373
______منطق التلويحات، حققه و قدم له علي اكبر فياض، طبعة جامعة طهران 1955
_____ اللمحات في الحقائق، تحقيق محمد ابو ريان دار المعرفة الجامعية الاسكندرية 1988
Corbin (Henry) : Shihaboddin yahya Sohravardi, Œuvres Philosophiques et Mystiques, Tome II : 1. Le livre de la Théosophie orientale. 2. Le symbole de foi des philosophes. 3. Le Récit de l’Exil occidental. Institut d’Etudes et des Recherches Culturelles, Teheran 1993/
محمد علي ابو ريان : اصول الفلسفة الاشراقية عند السهروردي دار المعرفة الجامعية الاسكندرية 1987
علي سامي النشار: المنطق الصوري من ارسطوحتى عصورنا الحاضرة، دار المعرفة الجامعية 1955
____________مناهج البحث عند مفكري الاسلام و اكتشاف المنهج العلمي في العالم الاسلامي، دار النهضة بيروت 1984
ابراهيم مدكور : بين ابن سينا و السهروردي، بحث نشر ضمن الكتاب التذكاري-شيخ الاشراق القاهرة 1980
هنري كربان : تاريخ الفلسفة الاسلامية منذ اليانبيع الاولى حتى وفاة ابن رشد، ترجمة نصير مروه و حسن قبيس منشورات عويدات بيروت 1966
قطب الدين الشيرازي : شرح حكمة الاشراق
ابن تيمية : الرد على المنطقيين، تحقيق سليمان الندوى بمبادي 1949
ابن سينا : كتاب النجاة تحقيق و تقديم ماجد فخري منشورات دار الافاق الجديدة بيروت 1985
______ منطق المشرقيين’ طبعة المكتبة السلفية القاهرة 1910
الاشارات و التنبيهات، تحقيق سليمان دنيا دار المعارف القاهرة 1947
الشفاء، جزء المنطق القاهرة 1959
محمود محمد علي محمد: المنطق الاشراقي عند السهروردي، مصر العربية للنشر 1999
محمد مصطفى حلمي : السهروردي و حكمة الاشراق: بحث نشر بدائرة المعارف الاسلامية طبع دار الشعب القاهرة
الفارابي : احصاء علوم الدين
الغزالي : القسطاس المستقيم
نيقولا ريشر : تطور المنطق العربي ترجمة محمد مهران دار المعارف 1965
جعفر آل ياسين : المنطق السينوي، منشورات دار الافاق الجديدة بيروت 1983
* مساعد بقسم الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، متخصص في المنطق
[1] Henry Corbin, Sihaboddin Yahya Sohravardi : Œuvres Philosophiques et mystiques, Tome II, 1. Le livre de la Théosophie orientale. 2. Le symbole de la foi des philosophes. 3. Le Récit de l’exil occidental. Textes édités avec Prolégomènes en français, Institut d’Etudes et des Recherches Culturelles, Téhéran 1993.
[2] Deborah L. Black, Routledge 1998, et Tony Street, Logic dans Cambridge Compagnion to Islamic philosophy, Cambridge university Press 2006. P. 247
[3] مذكور في تصدير كتاب المنطق الوضعي زكي نجيب محمود
[4] ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق سليمان الندوي، ص 3
[5] شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي: كشف الفضائح اليونانية ورشف النصائح الإيمانية، تحقيق د. عائشة يوسف المناعي، دار السلام، القاهرة 1999
[6] السهروردي، حكمة الإشراق ص ص 10-11
[7] الرازي
[8] Mohamed Iqbal : The development of Metaphysics in Persia (These de doctorat, Oxford 1908) الترجمة العربية : تطور الفكر الفلسفي في ايران، اسهام في تاريخ الفلسفة الاسلامية، ترجمة حسن محمد الشافعي و محمد سعيد جمال الدين الدار الفنية للنشر 1989
[9] السهروردي : حكمة الاشراق، تحقيق هنري كوربين ، ص, 29
[10] المصدر السابق: ص.34
[11] المصدر السابق نفس الصفحة







16 juin 2011 %1$s à %2$s 10:28
Le titre en français:
La dualité du vrai et du faux dans la philosophie logique de Sorwardi !